عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
283
اللباب في علوم الكتاب
فصل قال ابن العربيّ : قال أبو حنيفة : إذا قال الرّجل إذا شرب عبدي من الفرات فهو حرّ ، فلا يعتق إلّا أن يكرع فيه ، والكرع : أن يشرب الرّجل بفيه من النّهر ، فإن شرب بيده ، أو اغترف منه بإناء ، لم يعتق ، لأنّ اللّه - تعالى - فرّق بين الكرع في النّهر ، وبين الشّرب باليد . قال : وهذا فاسد لأنّ شرب الماء يطلق على كلّ هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد ، أو كرع بالفم انطلاقا واحدا . قال القرطبي « 1 » : وقول أبي حنيفة أصحّ ؛ لأنّ أهل اللّغة فرّقوا بينهما ، كما فرّق الكتاب والسّنّة . قال الجوهريّ وغيره : كرع من الماء كروعا : إذا تناوله بفيه من موضعه ، من غير أن يشرب بكفيه ، أو بإناء ، وفيه لغة أخرى « كرع » بكسر الرّاء كرعا . وأمّا السّنّة ، فما روي عن ابن عمر قال : مررنا على بركة ، فجعلنا نكرع فيها فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثمّ اشربوا فيها ، فإنّها ليس إناء بأطيب من اليد » « 2 » وقال عليه الصلاة والسلام : « من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التّواضع كتب اللّه بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسّلام - إذ اطّرح القدح فقال أفّ هذا مع الدّنيا » « 3 » أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر . قوله : « فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا » هذه القراءة المشهورة ، وقرأ « 4 » عبد اللّه ، وأبيّ والأعمش « إلّا قليل » وتأويله أنّ هذا الكلام وإن كان موجبا لفظا فهو منفيّ معنى ، فإنه في قوّة : لم يطيعوه إلا قليل منهم ، فلذلك جعله تابعا لما قبله في الإعراب . قال الزّمخشريّ : وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللّفظ جانبا ، وهو باب جليل من علم العربية ، فلمّا كان معنى « فَشَرِبُوا مِنْهُ » في معن ى « فلم يطيعوه » حمل عليه ، ونحوه قول الفرزدق : « لم يدع من المال إلّا مسحتا أو مجلّف » يشير إلى قوله : [ الطويل ] 1167 - وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلّا مسحتا أو مجلّف « 5 »
--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 2 / 1135 ) رقم ( 3433 ) وابن أبي شيبة ( 8 / 41 ) . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة ( 2 / 134 ) رقم ( 3431 ) عن عبد اللّه بن عمر مرفوعا . قال الحافظ البوصيري في « زوائد ابن ماجة » ( 3 / 113 ) هذا إسناد ضعيف لتدليس بقية بن الوليد . ( 4 ) انظر : البحر المحيط 2 / 275 ، والدر المصون 1 / 605 ، والتخريجات النحوية 162 . ( 5 ) البيت للفرزدق ينظر ديوانه 2 / 26 ، وخزانة الأدب 1 / 237 ، 8 / 543 ، والخصائص 1 / 99 ، ولسان العرب ( سحت ) ، ( جلف ) ، ( ودع ) ، وجمهرة أشعار العرب ص 880 ، وجمهرة اللغة ص 386 ، 1259 ، والإنصاف 1 / 188 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 279 ، وشرح المفصل 1 / 231 ، 10 / 103 ، والمحتسب 1 / 180 ، 2 / 365 . والدر المصون 1 / 606 .